سيد قطب

3812

في ظلال القرآن

يرتد السياق إلى المكذبين بهذه الساعة ، الذين يسألون الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - عن موعدها . يرتد إليهم بإيقاع يزيد من روعة الساعة وهولها في الحس وضخامتها : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ؟ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ؟ إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها . إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها . كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها » . . والهاء الممدودة ذات الإيقاع الضخم الطويل ، تشارك في تشخيص الضخامة وتجسيم التهويل ! « وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً . وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً . وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً . فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً . فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً » . قيل في تفسير هذه الكلمات : إنها الملائكة نازعات للأرواح نزعا شديدا . ناشطات منطلقات في حركاتها . سابحات في العوالم العليا سابقات للإيمان أو للطاعة لأمر ربها مدبرات ما يوكل من الأمور إليها . . وقيل : إنها النجوم تنزع في مداراتها وتتحرك وتنشط منتقلة من منزل إلى منزل . وتسبح سبحا في فضاء اللّه وهي معلقة به . وتسبق سبقا في جريانها ودورانها . وتدبر من النتائج والظواهر ما وكله اللّه إليها مما يؤثر في حياة الأرض ومن عليها . وقيل : النازعات والناشطات والسابحات والسابقات هي النجوم . والمدبرات هي الملائكة . وقيل : النازعات والناشطات والسابحات هي النجوم . والسابقات والمدبرات هي الملائكة . . وأيا ما كانت مدلولاتها فنحن نحس من الحياة في الجو القرآني أن إيرادها على هذا النحو ، ينشئ أولا وقبل كل شيء هزة في الحس ، وتوجسا في الشعور ، وتوفزا وتوقعا لشيء يهول ويروع . ومن ثم فهي تشارك في المطلع مشاركة قوية في إعداد الحس لتلقي ما يروع ويهول من أمر الراجفة والرادفة والطامة الكبرى في النهاية ! وتمشيا مع هذا الإحساس نؤثر أن ندعها هكذا بدون زيادة في تفصيل مدلولاتها ومناقشتها ؛ لنعيش في ظلال القرآن بموجباته وإيحاءاته على طبيعتها . فهزة القلب وإيقاظه هدف في ذاته ، يتحراه الخطاب القرآني بوسائل شتى . . ثم إن لنا في عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - أسوة . وقد قرأ سورة : « عَبَسَ وَتَوَلَّى » حتى جاء إلى قوله تعالى : « وَفاكِهَةً وَأَبًّا » . . فقال : « قد عرفنا الفاكهة . فما الأبّ ؟ ثم استدرك قائلا : لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف ! وما عليك ألا تعرف لفظا في كتاب اللّه تعالى ؟ ! » . . . وفي رواية أنه قال : كل هذا قد عرفنا فما الأبّ ؟ ثم رفض عصا كانت بيده - أي كسرها غضبا على نفسه - وقال : « هذا لعمر اللّه التكلف ! وما عليك يا بن أم عمر أن لا تدري ما الأب » . ثم قال : « اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب ، وما لا ، فدعوه » . . فهذه كلمات تنبعث عن الأدب أمام كلمات اللّه العظيمة . أدب العبد أمام كلمات الرب . التي قد يكون بقاؤها مغلفة هدفا في ذاته ، يؤدي غرضا بذاته . هذا المطلع جاء في صيغة القسم ، على أمر تصوره الآيات التالية في السورة : « يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ . قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ . أَبْصارُها خاشِعَةٌ . يَقُولُونَ : أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ ؟ أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً ؟ قالُوا : تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ! . . فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ . فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ » . . والراجفة ورد أنها الأرض استنادا إلى قوله تعالى في سورة أخرى : « يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ » . . والرادفة : ورد أنها السماء . أي أنها تردف الأرض وتتبعها في الانقلاب حيث تنشق وتتناثر كواكبها . . كذلك ورد أن الراجفة هي الصيحة الأولى ، التي ترجف لها الأرض والجبال والأحياء جميعا ، ويصعق لها